Politics
من الآخر: الجيش خط أحمر والقضاء خط أحمر، فلماذا يكسر؟
رأي سياسي حول قرار إطلاق سراح المتعاونين مع مليشيا الدعم السريع ممن لم يحملوا السلاح، وضرورة احترام استقلالية القضاء والتمييز بين المكره والطوعي مع مراعاة الحق الخاص للمظلومين.
Loading…
ياسر الخزين September 27, 2026Published 7 views

من الآخر
بقلم: ياسر الخزين
الجيش خط أحمر والقضاء خط أحمر، فلماذا يكسر
قبل أن ألج في صلب الموضوع وهو قضية المتعاونين، يا ولاة الأمر وأخص السيد رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة سعادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان الذي ندين إلى الله بأنه يمثل ولي أمرنا الذي تجب علينا طاعته ويدل على ذلك موقفنا بتأييده منذ الطلقة الأولى والميديا ووسائط الإعلام خير شاهد وكذلك أخص السيد وزير العدل فأقول يا ولاة الأمر لا خير فيكم إن لم تسمعوها منا ولا خير فينا إن لم نقلها لكم وهذا أصل لا يتغير، وحجر زاوية لا يتزحزح ولو تزحزح جبل مرة.
فموقفنا من الجيش ثابت لا يتغير ولا يتبدل، وبذات القدر هو موقفنا من القضاء، والاثنان خط أحمر، فالجيش يحرس الحدود، والقضاء يحرس الحقوق، وإذا سقط أحدهما سقط الوطن كله.
وقد روي أن بريطانيا لما خرجت من حرب الحلفاء مدمرة، جاءوا إلى ونستون تشرشل وقالوا له: لقد تهدمت لندن واحترقت المصانع وغرق الاقتصاد. فسأل سؤالا واحدا: كيف حال القضاء عندنا؟ فقيل له: القضاء بخير. فقال: إذا بريطانيا بخير.
تأملت هذه الحكمة فقلت: إن الدولة لا تقاس بما تملك من دبابات، بل بما تملك من عدالة، فإذا بقي القضاء بخير، بقي كل شيء بخير، وإذا فسد القضاء، فلا جيش ينفع ولا اقتصاد يشفع.
ومن هنا أدخل إلى قضيتي، فإن قرار إطلاق سراح المتعاونين عدا الذين حملوا السلاح ولبسوا الكدمول يمس القضاء في صميمه، ويمس الجيش في هيبته، لأنه يهدم ما يبنيه الاثنان معا.
أصل القضية:
صدور قرار مجلس السيادة بتشكيل لجنة لإطلاق سراح المتعاونين مع مليشيا الدعم السريع ممن لم يحملوا السلاح، تبعه قرار السيد وزير العدل منفذا له وموجها بتشكيل لجان لهذا الخصوص، مع أن الأحكام الصادرة في حقهم صدرت من القضاء السوداني علي مستوي المحكمة العليا.
وهنا تقع العقدة التي يجب أن تُحل قبل أن يقع الفأس على الرأس، حتى لا ينطبق علينا المثل السوداني "الاضينة دقو واتعذرلو". فإطلاق المتعاونين يهدم الجسر فوق رؤوسنا وقرار العفو عنهم يزرع ثأرا لا ينطفئ.
وإني سائل سؤالاً: إن كان الأمر كذلك، فما فائدة متابعة المتعاونين الذين لم يتم إلقاء القبض عليهم بعد؟ وما فائدة إصدار أحكام ضدهم طالما كان حال المتعاونين الذين صدرت أحكام ضدهم من المحكمة العليا وهم الآن ينفذون تلك الأحكام سيطلق سراحهم؟ فالمتعاون الذي لم يحمل السلاح هو الذي جعل السلاح يحمل فكيف نعفو عنه؟ ولئن كان من يصدر الحكم هو من ينقضه فما فائدة القضاء إذن؟
وسؤال جوهري آخر هل قاضي الاستئناف الذي سيكون على رئاسة أي من اللجان من حقه أن يلغي أو يوصي بإلغاء قرار قاضي محكمة عليا؟ أم هي الصورة المقلوبة؟ وسؤال ثالث حسب علمي القاصر بأن إطلاق سراح السجين المحكوم يتم بتوصية من السيد النائب العام بالتشاور مع السيد رئيس القضاء للسيد رئيس الجمهورية بإلغاء حكم أو تخفيف عقوبة وهذا ما لم يتم في توصيات اللجان المذكورة والتي أسلفت أن قضاتها قضاة استئناف فكيف لقاضي الاستئناف أن يتدخل فى قرار قاضي محكمة عليا وهو أرفع درجة منه؟
ولعمري هذا عين التدخل في شؤون استقلالية القضاء أو عدم الثقة في أحكامه، خاصة الصادرة من المحكمة العليا ويراد أن تلغي بواسطة قضاة استئناف وبتوصيات وحينها سيحتكم الجميع لشريعة الغاب وتصفية الحسابات باليد دون اللجوء لنيابة أو شرطة أو قضاء. وكيف يستقيم ذلك مع استقلالية القضاء؟ وما هو الحد الفاصل بين حق السيد رئيس مجلس السيادة في العفو في الحق العام، وبين الحق الخاص للمواطن الذي سُرق بيته، ودُل على عرضه، وصُلحت عربة المليشيا التي قتلت أهله بواسطة متعاون أمام عينيه، وصُنع الطعام لمن اغتصب ابنته بين يديه؟
إن المتعاون الذي لم يحمل السلاح هو الذي جعل السلاح يحمل. ولولا الدليل ما وصل القاتل، ولولا من أصلح العربة ما تحركت، ولولا من أطعمهم ما بقوا. فما الحل إذا رأى المواطن المكلوم من سرق بيته يخرج من السجن بعفو، وقد ثبت تعاونه بحكم قضائي مؤيد من قاضي المحكمة العليا؟ ماذا لو قتله؟ أنكون قد استبدلنا فتنة بفتنة، وزرعنا ثأرا لا ينطفئ؟ وهل من الحكمة أن يعفو السيد رئيس الجمهورية (رئيس مجلس السيادة) عن محكوم ولم تجف بعد دمعة المظلوم الذى حوكم بسببه؟
وإني أرى شجرا يسير، ورمالا تتحرك تحت الجسر لتهدمه وتصدع البنيان، فعلى السيد رئيس مجلس السيادة مراجعة هذا القرار قبل وقوع الفأس على الرأس.
تأملت هذا القرار فوجدته يريد أن يجمع بين متناقضين: يريد أن يطبب الجرح وهو يترك السكين في الجسد. أيها السادة، إن القضاء إذا حكم فقد نطق باسم المجتمع، لا باسم الحاكم. فإذا جاء الحاكم فنقض حكم القاضي قبل أن يبرد مداده، فإن الناس لا تقول: عفا الرئيس، بل تقول: وهنت العدالة.
وما الفرق بين الحق العام والحق الخاص؟ الحق العام هو حق الدولة في العقوبة، وللرئيس أن يعفو عنه. أما حق المواطن الذي سُرق ماله وانتهك عرضه فلا يملك الرئيس أن يعفو عنه، لأنه ليس حقه، بل هو حق المظلوم، لا يسقط إلا إذا عفا المظلوم نفسه.
فكيف نطلق من دل على الاغتصاب، ونقول للضحية: اصبري؟ إن هذا يزرع في القلب نارا لا تطفئها لجان العفو، بل تطفئها العدالة وحدها.
وتأملت فقلت: إذا قيل للناس إن من حكم عليه القضاء سيخرج بقرار لجنة، فلماذا يذهب المظلوم إلى القضاء أصلا؟ سيقول: آخذ حقي بيدي، وهنا تنهدم الدولة وتصبح الغابة هي الحكم.
فأي عقل هذا؟ وهل حمل السلاح إلا آخر الخيانة؟ أليس الدليل أخطر من حامل السلاح؟
إني أرى رؤوسا قد أينعت من المتعاونين وقد حكم عليهم القضاء، فمن ذا الذي يريد قطافهم من السجن قبل أوانهم؟
يا مجلس السيادة، إن القاضي إذا حكم فلا ينقض حكمه إلا قاض مثله في محكمة أعلى، لا بلجنة إدارية. فإن نقضتم أحكام القضاء بلجان، فماذا أبقيتم للقضاء من هيبة.
قال الحكيم: زعموا أن أسدا حكم على ثعلب خان الغابة ودل الذئاب على مداخلها، فحبسه. فجاءت جماعة من الثعالب وقالت للأسد: إن هذا الثعلب لم يأكل الدجاج بنفسه، وإنما دل عليه فقط، فأطلقه. فقال الأسد: إنكم لا تفقهون. إن الذئب لولا دليل الثعلب ما عرف الطريق. وإن الدجاج إذا رأت الثعلب يخرج من السجن حرا طليقا، وهي ترى ريشها منتوفا في فمه، فستأخذ حقها بمنقارها، لأنه لم يبق لها ثقة في حكم الأسد.
أكتب ذلك عن علم ودراية فما هو التأصيل الشرعي في حكم المتعاون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم:
1- حاطب بن أبي بلتعة: كتب لقريش يخبرهم بمسير النبي، فقال النبي: "إنه قد شهد بدرا" فعفا عنه لأنه متأول أراد حماية أهله لا موالاة الكفر.
2- كعب بن الأشرف وأبو رافع: كانا يمدان قريش وغطفان بالمال والسلاح والتحريض بلسانهما، فقال النبي: "من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله" فقتله محمد بن مسلمة، وهذا حكم المحرض الذي لم يحمل سلاحا لكنه جعل السلاح يحمل، كمن أصلح العربة وصنع الطعام.
3- المنافقون: كانوا يخذلون ويرجفون، فتركهم النبي سياسة لعلة "لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه".
4- بنو قريظة: نقضوا العهد وانضموا للأحزاب، فحكم فيهم سعد بن معاذ بقتل مقاتلتهم، فقال النبي: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات".
الخلاصة: من ثبتت خيانته بنقل الأسرار أو إمداد العدو عالما عامدا غير متأول فحكمه القتل حدا، ومن كان متأولا كحاطب فيعزر ولا يقتل.
وعليه فالحل ليس إطلاق جماعي، بل تمييز بين المكره والطوعي، واحترام استقلالية القضاء فلا يلغى الحكم بلجنة، وتقديم الحق الخاص فلا عفو إلا برضا صاحب الحق، وعدالة انتقالية يقر فيها المتعاون بذنبه أمام أهل قريته.
وإلا فإني أرى شجرا يسير، ورمالا تتحرك تحت الجسر.
اللهم قد بلغت. اللهم فاشهد.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
القضاءالجيشالمتعاونونمجلس السيادةالبرهانوزير العدلالدعم السريعاستقلالية القضاء
Share
Comments
Please log in to leave a comment.Log in
No comments yet. Be the first to share your thoughts.
Subscribe to our newsletter
Get a summary of the latest news and analysis delivered to your inbox.
