2 Oct 2026
Khartoum
01:59
London
00:59
Brussels
01:59
Cairo
02:59
Dubai
03:59
Washington
19:59
Back to section
Politics

معادلة الطغيان: كيف أصبحت البندقية صك غفران والمدنية وثيقة اتهام؟

في المأساة السودانية لا يكمن العبث فقط في حجم الدمار أو عدد الضحايا ولكن في المعايير الأخلاقية والسياسية المقلوبة التي أفرزتها الحروب. فليس في المأساة السودانية الراهنة مشهد أكثر إثارة للدهشة من ذلك التناقض الأخلاقي والسياسي الذي نشهده يوميا، مقاتلون انخرطوا في الحرب وبعضهم ارتبط اسمه أو اسم التشكيلات التي انتمى إليها بجرائم وانتهاكات موثقة، […] The post معادلة الطغيان: كيف أصبحت البندقية صك غفران والمدنية وثيقة اتهام؟ appeared first on سودانايل.

Loading…

Sudanile September 27, 2026Published 1 views
Source:Sudanile
معادلة الطغيان: كيف أصبحت البندقية صك غفران والمدنية وثيقة اتهام؟
في المأساة السودانية لا يكمن العبث فقط في حجم الدمار أو عدد الضحايا ولكن في المعايير الأخلاقية والسياسية المقلوبة التي أفرزتها الحروب. فليس في المأساة السودانية الراهنة مشهد أكثر إثارة للدهشة من ذلك التناقض الأخلاقي والسياسي الذي نشهده يوميا، مقاتلون انخرطوا في الحرب وبعضهم ارتبط اسمه أو اسم التشكيلات التي انتمى إليها بجرائم وانتهاكات موثقة، يجدون أبواب القبول السياسي مفتوحة بمجرد أن يغيروا موقعهم العسكري، بينما تقابل القوى المدنية التي رفضت الحرب منذ يومها الأول بالشك والتخوين والإقصاء.السؤال هنا ليس عن حق الأفراد في التوبة أو العودة إلى المجتمع فذلك مبدأ إنساني وقانوني لا خلاف عليه ولكن السؤال عن المعايير المزدوجة التي تحكم الموقف السياسي. لماذا يصبح السلاح بوابة للشرعية بينما تتحول المدنية إلى شبهة؟ ولماذا يغفر للمسلح ما لا يغفر لصاحب الرأي؟هذه الأسئلة لا تتعلق بالحرب الحالية وحدها فقط بقدر ما تمس جوهر الأزمة السودانية الممتدة منذ عقود والتي هي أزمة دولة لم تنجح في تحرير السياسة من هيمنة القوة المسلحة. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع دفعت البلاد ثمناً إنسانياً هائلاً. فقد وصفت الأمم المتحدة السودان بأنه يشهد إحدى أكبر أزمات النزوح في العالم حيث تجاوز عدد النازحين واللاجئين أكثر من عشرة ملايين من السودانيين داخل البلاد وخارجها. كما وثقت تقارير الأمم المتحدة ومنظمات دولية واسعة النطاق حالات قتل للمدنيين، ونهب للممتلكات والعنف الجنسي والانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني الدولي من أطراف مختلفة في النزاع.ففي تقرير لبعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق التابعة لمجلس حقوق الإنسان، أشارت البعثة إلى وجود أدلة على انتهاكات خطيرة قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت خلال النزاع. كما وثقت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش أنماطاً من الانتهاكات بحق المدنيين في مناطق متعددة من السودان.أمام هذا الواقع كان من المفترض أن يرتفع صوت المطالبة بالعدالة والمحاسبة فوق كل اعتبار. لكن ما حدث في كثير من الأحيان كان العكس تماماً. إذ انتقل الجدل من مساءلة مرتكبي الانتهاكات إلى الاحتفاء السياسي بمن يغيّر موقعه العسكري وكأن المشكلة ليست في الجريمة نفسها بل في الجهة التي انتمى إليها مرتكبها.من حق أي مقاتل أن يترك الحرب بل إن ذلك ينبغي أن يُشجع من حيث المبدأ إذا كان خطوة نحو وقف النزاع. غير أن الانشقاق العسكري وحده لا يمكن أن يكون بديلاً عن العدالة. فإذا كان شخص ما قد شارك في انتهاك أو نهب أو قتل فإن تغيير ولائه العسكري لا يمحو المسؤولية الأخلاقية أو القانونية المترتبة على أفعاله. هذا مبدأ مستقر في تجارب العدالة الانتقالية حول العالم، من جنوب أفريقيا إلى رواندا والبوسنة.لقد أثبتت تلك التجارب أن المصالحة لا تبنى على النسيان ولكن تبنى على الاعتراف بالحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر. أما تحويل المنشقين تلقائياً إلى أبطال وطنيين دون مساءلة فهو لا ينتج سلاماً وإنما يعمق ثقافة الإفلات من العقاب.والأخطر من ذلك أنه يبعث برسالة مدمرة إلى المجتمع مفادها … يمكنك أن تحمل السلاح وتشارك في الحرب ثم تعود إلى المشهد السياسي بطلاً إذا اخترت المعسكر الصحيح في الوقت المناسب.المفارقة المؤلمة أن القوى المدنية السودانية دفعت أثماناً باهظة في مقاومة الاستبداد والدفاع عن الديمقراطية. فالثورة السودانية التي أطاحت بعمر البشير عام 2019 لم تنتصر بالبندقية ولكن انتصرت عبر حراك مدني واسع قاده الشباب والنساء والنقابات ولجان المقاومة. وقد أشادت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس) ومنظمات دولية عديدة بالدور المركزي للحراك المدني السلمي في التغيير السياسي.لكن ما إن اندلعت الحرب حتى وجد كثير من دعاة السلام أنفسهم متهمين بالعمالة والجبن و الانحياز لهذا الطرف أو ذاك فقط لأنهم رفضوا الاصطفاف العسكري وهنا تظهر المفارقة الكبرى، من يحمل السلاح يمنح صك الوطنية بينما يضطر المدني إلى إثبات وطنيته كل يوم. ولعل أخطر ما أنتجته الحروب السودانية المتعاقبة هو ترسيخ فكرة أن القوة وحدها تصنع التاريخ. هذه الفكرة التي سادت في السودان لعقود طويلة ثقافة تمجد الانقلابات العسكرية والحركات المسلحة أكثر مما تمجد العمل المدني والمؤسسات الديمقراطية.لكن هذه الفكرة أنتجت عشرات السنين من الحروب، ثلاثة عقود من الحكم السلطوي، انفصال جنوب السودان. وانهيارات اقتصادية متكررة. وموجات نزوح ولجوء متعاقبة. ثم هذه الكارثة التي يعيشها السودان اليوم.إذا حكمنا على البندقية بنتائجها فإن حصيلتها كارثية ومع ذلك ما يزال كثيرون ينظرون إليها باعتبارها المصدر الأعلى للشرعية. إنها مفارقة تكاد تكون أكثر من عبثية: كلما أثبت السلاح فشله في بناء الدولة ازداد تعلق البعض به باعتباره الحل.لقد قُتل آلاف المدنيين ودُمرت مدن كاملة وتعرضت أعداد هائلة من السكان للنزوح. وتفككت الأسر وخسرت البلاد جزءاً مهماً من بنيتها الاقتصادية والاجتماعية ومع ذلك لا يزال البعض يهتف (المجد للبندقية). لكن أي مجد هذا؟ هل المجد في المدن المدمرة؟ أم في معسكرات النزوح؟ أم في الأطفال الذين انقطعت دراستهم؟ أم في النساء اللواتي فقدن الأمان والمأوى؟ أم في ملايين السودانيين الذين أصبحوا لاجئين داخل وطنهم أو خارجه؟التجارب الدولية الناجحة اثبتت أن الدول الناجحة لم تبنِ استقرارها على تقديس السلاح ولكن بنته على إخضاعه للقانون. في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية لم تبنَ الدولة الحديثة على تمجيد الجنرالات ولكن بنيت على تأسيس نظام دستوري يجعل السلطة خاضعة للمؤسسات المدنية. وفي جنوب أفريقيا لم يكن مانديلا يدعو إلى استبدال بندقية بأخرى، بل إلى دولة يكون فيها القانون أعلى من الجميع وفي رواندا رغم حجم المأساة كان الهدف النهائي إعادة بناء المجتمع على أساس المواطنة والعدالة لا على أساس شرعية القوة المسلحة. لم تصبح هذه الدول أكثر استقراراً لأنها امتلكت بنادق أكثر ولكن لأنها جعلت قيمة الإنسان أعلى من قيمة السلاح.المشكلة ليست في شخص انشق أو شخص عاد من الحرب، المشكلة في الثقافة السياسية التي تكافئ حمل السلاح وتعاقب الإيمان بالسياسة. فحين يصبح دخول المشهد الوطني مشروطاً بالقوة المسلحة فإن الرسالة التي تُرسل إلى الشباب واضحة وخطيرة وهي إذا أردت أن يسمعك الناس فلا تحمل فكرة احمل بندقية وإذا أردت مكاناً على طاولة التفاوض، فلا تبنِ حزباً أو نقابة أو حركة مدني فقط ابنِ ميليشيا. هذه هي الفلسفة التي دمّرت دولاً كثيرة، وهي الفلسفة نفسها التي تهدد بإطالة أمد المأساة السودانية.إن المأساة السودانية لن تنتهي ما دامت شرعية السلاح أعلى من شرعية الإنسان ولن يخرج السودان من الحلقة الجهنمية للحرب طالما استمرت ثقافة تكافئ من حمل البندقية وتزدري من حمل الفكرة. فالدولة التي تفتح أبوابها للمقاتلين لأنهم مقاتلون وتغلقها أمام المدنيين لأنهم مدنيون، لا تؤسس سلاماً بل تؤسس لحرب قادمة. والدولة التي تغفر الانتهاكات وفقاً لموقع مرتكبها السياسي لا تبني عدالة ولكن تبني نظاما جديداً للإفلات من العقاب والظلم الاجتماعي.لقد أثبتت هذه الحرب الدامية حقيقة ينبغي أن تكون واضحة للجميع أن البندقية لم تنقذ السودان ولم توحّد السودان ولم تبنِ السودان فكل ما فعلته أنها ملأت المقابر وأفرغت المدن ودفعت الملايين إلى المنافي ومعسكرات النزوح.ولهذا فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين جيش ودعم سريع ولا بين هذا المعسكر أو ذاك المعركة الحقيقية صارت بين منطقين متناقضين بين منطق يرى أن حق الإنسان مشتق من فوهة البندقية وبين منطق يؤمن بأن قيمة الإنسان سابقة على كل سلطة وكل سلاح.وعندما ينتصر المنطق الأول يصبح القاتل مشروع بطل إذا غيّر ولاءه ويصبح داعية السلام مشروع خائن لأنه رفض الحرب. أما عندما ينتصر المنطق الثاني فإن السؤال الوحيد الذي يطرح على الجميع بلا استثناء هو ماذا فعلتم بحياة الناس؟ذلك هو السؤال الذي تبنى به الأمم الحرة وهو السؤال الذي لا تزال النخب السودانية وجماهيرها مطالبة بمواجهته بشجاعة قبل أن تبتلع البلاد دورة جديدة من الدم والخراب تحت الشعار القديم نفسه (المجد للبندقية). بل إن الواجب الأخلاقي اليوم يقتضي أن يقال بوضوح، لا مجد لبندقية لم تحمِ إنسانا ولا كرامة لسلاح صودر باسمه حق الناس في الحياة وأن المجد الحقيقي يجب أن يكون للعدالة وللسلام وللإنسان السوداني الذي دفع وحده فاتورة المجد للبندقية. عبدالله جعفر abdalla_gaafar@yahoo.com The post معادلة الطغيان: كيف أصبحت البندقية صك غفران والمدنية وثيقة اتهام؟ appeared first on سودانايل.
Sudanileمنبر الرأي
Share

Comments

Please log in to leave a comment.

No comments yet. Be the first to share your thoughts.

Subscribe to our newsletter

Get a summary of the latest news and analysis delivered to your inbox.

ملفات تعريف الارتباط

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتتبع زياراتك وتحسين تجربتك، وعرض صفحة المنبر على فيسبوك وموقعنا الإلكتروني لمتابعتك دائماً. بموافقتك، نحفظ معرّف زائر لتتبع زياراتك.

فيسبوك
واتساب