Supporting Voices
حين يتعافى السودان- من صراع البندقية إلى صراع العقل
زهير عثمان حين يتعافى السودان… أو كيف نصبح بشراً بعد جولة إضافية من العبث!هناك سؤال بسيط للغاية، لكنه في السودان يحتاج إلى شجاعة أكبر من شجاعة من يشتري بندقية بالتقسيط المريح- كيف نعيد الحياة إلى بلدٍ قضى سنوات طويلة وهو يتعامل مع السياسة باعتبارها (بلايستيشن ) مدنياً، لكن بأرواح حقيقية؟السؤال بالطبع ليس عن تشغيل الكهرباء […] The post حين يتعافى السودان- من صراع البندقية إلى صراع العقل appeared first on سودانايل.
Loading…
Sudanile October 6, 2026Published 1 views
Source:Sudanile

زهير عثمان حين يتعافى السودان… أو كيف نصبح بشراً بعد جولة إضافية من العبث!هناك سؤال بسيط للغاية، لكنه في السودان يحتاج إلى شجاعة أكبر من شجاعة من يشتري بندقية بالتقسيط المريح- كيف نعيد الحياة إلى بلدٍ قضى سنوات طويلة وهو يتعامل مع السياسة باعتبارها (بلايستيشن ) مدنياً، لكن بأرواح حقيقية؟السؤال بالطبع ليس عن تشغيل الكهرباء أو المياه أو المستشفيات… فهذه ترفيات لا يطلبها إلا مواطن (مُرفه ) السؤال الأعمق والأصعب- كيف نعيد تشغيل الدولة نفسها؟ , لأن الدولة في بلادي ليست مكاناً يعيش فيه المواطن، بل «ساحة امتحان دائمة» لمعرفة من يملك السلاح، ومن يملك طلسماً سياسياً أقدم، ومن يستطيع إغلاق الشارع الرئيسي قبل أن يغسله المطر , المشكلة الأزلية أننا نبدل الحكومات بنفس الحماس الذي نبدل به شربتنا القديمة، لكننا لا نبدل القاعدة , تأتي حكومة بكل ثقة وتقولن سنبني الدولة! … ثم تبدأ فوراً ببناء الدولة فوق رأس المواطن مباشرة، لضمان ألا يرتفع صوته بالشكوى من غلاء البصلثم تأتي حكومة أخرى وتقول- نحقق لكم السلام المنشود! – فنكتشف فوراً أن السلام في بلدنا يحتاج إلى مؤتمر، والمؤتمر يحتاج إلى قاعة مكيفة، والقاعة تحتاج إلى لجان فرعية، واللجان إلى منسقين، والمنسقون إلى -ناطق رسمي – عابس الوجهوبقدرة قادر، نكتشف في النهاية أن الحرب كانت أسرع، وأخف ظلاً، وأقل بيروقراطية من كل هذه اللجان!أما المواطن المسكين، فيجلس في ركن بيته الباقي من القصف، ينتظر نقطة ماء أو رغيف خبز، بينما السادة السياسيون يتجادلون في القنوات الفضائية حول من هو المالك الحصري لتاريخ الوطن ومستقبله!شريعة الغابة… قصدي: «شريعة العنف»!التعافي الوطني ليس مجرد إيقاف لإطلاق النار، وإن كان وقف الحرب هو الباب الأول الذي لا يمكن تجاوزه.وليس اتفاقاً سياسياً جديداً يُضاف إلى أرشيف الاتفاقات التي احتفظت بها خزائننا أكثر من المياه.التعافي يعني أن نجرؤ على إسقاط ما يمكن أن نسميه بلا مبالغة «شريعة العنف»؛ تلك القاعدة غير المكتوبة التي جعلت القوة طريقاً للسلطة، والتعبئة القبلية وسيلة لصناعة النفوذ، والسلاح تذكرة مجانية إلى طاولة التفاوض، والخوف منهجاً تربوياً معتمداً لضمان الطاعةوهذه «الشريعة» لها شروط ترقية واضحة , إذا كنت مسلحاً… فأنت «شخصية مهمة» ويُحسب لك ألف حساب , إذا كانت وراءك قبيلة أو جماعة جاهزة للهتاف والحشد… فأنت أهم وأكثر وزناً في الكفة , إذا أغلقت طريقاً حيوياً ببعض المتاريس… فأنت فجأة «صاحب قضية وطنية عظمى»أما إذا كنت مواطناً أعزل، لا تملك سوى شهادة جامعية بالية، وتريد تعليماً لابنك وعلاجاً لأمك… فأنت للأسف مجرد «رقم إحصائي مهمل» في خطب السياسيين الرنانة! وهنا تكمن الكارثة– سياسة تكافئ من يعطّل الحياة أكثر مما تكافئ من يحسنها , ومن هنا يجب أن تبدأ عملية تغيير القاعدة , من صراع البندقية إلى صراع العقل – المطلوب ليس إلغاء الصراع السياسي , السياسة بطبيعتها صراع على الأفكار والبرامج والسلطة والمصالح , المطلوب هو أن نعيد تعريف هذا الصراع , أن يصبح الخلاف بين مشروع ومشروع، لا بين بندقية وبندقية , وأن تصبح المنافسة بين برنامج اقتصادي وبرنامج آخر، لا بين مجموعة تستطيع إغلاق شارع ومجموعة تستطيع احتلال مبنى , أن يصبح السياسي قادراً على الوصول إلى السلطة بإقناع المواطن، لا بإخافته , هذه هي النقلة الحقيقية- من صراع القوة إلى صراع الأفكار _ ومن منطق «من يملك السلاح؟» إلى سؤال أكثر تحضراً- «من يملك الحجة والبرنامج والقدرة على خدمة الناس؟»فالديمقراطية لا تعني أن نتوقف عن الاختلاف، وإنما تعني أن نتعلم كيف نختلف دون أن نقتل بعضنا , السلام الذي لا يعرف طريق القريةحين نتحدث عن الحل السياسي، يجب ألا يكون مجرد «حفلة تقاسم كراسي» جديدة , فالسلام الذي لا يصل إلى القرية النائية، ولا يعيد الطفل إلى مدرسته قبل أن تتحول إلى ثكنة أو مخزن غلال، ولا يجعل المواطن يمشي في الشارع دون أن يسأل بارتياب- «المنطقة دي تابعة لمنو اليوم؟» – هو سلام ناقص – بل قد يكون مجرد استراحة محارب قصيرة بانتظار الجولة القادمة – السلام الحقيقي أن يذهب الطفل إلى المدرسة، لا إلى الثكنة – أن يعود المزارع إلى أرضه، لا إلى مقبرته – أن تصبح الطريق طريقاً مرة أخرى، لا حدوداً بين مناطق النفوذ , وأن يصبح المستشفى مستشفى، لا مخزناً للسلاح , فالسلام الذي لا يشرب من بئر القرية، ولا يفتح مستشفاها، ولا يعيد أطفالها إلى مدارسهم، يبقى سلاماً في الورق، فقيراً في الحياة , ولهذا لا يمكن فصل الحل السياسي عن التعافي الاقتصادي والاجتماعيإعادة تشغيل الزراعة، وفتح الطرق، واستعادة الأسواق، وإصلاح المياه والكهرباء، وخلق فرص العمل، وإعادة النازحين إلى حياة آمنة وكريمة، ليست ملفات تنموية مؤجلة إلى ما بعد السياسة , هذه هي السياسة نفسها , لا نريد العودة إلى السودان القديم , نحن لا نريد «العودة» إلى السودان القديم بكل أزماته المؤجلة – لا نريد العودة إلى نظام كان يضع العربة أمام الحصان، ثم يلوم المسكين الحصان لأنه لا يجري!فنحن لا نريد فقط إعادة بناء ما دمرته الحرب، وإنما نريد معالجة ما صنع بيئة الحرب أصلاً , لا نريد دولة مركزية تحتكر القرار ثم تترك الأطراف تتفرج على الوطن من بعيد – ولا نريد فدرالية على الورق، بينما كل مفاتيح الخزانة والهاتف والسيارة في يد المركز , نريد توزيعاً حقيقياً للسلطة والموارد، ومؤسسات تعمل، وأقاليم تستطيع إدارة شؤونها، ودولة اتحادية أو لامركزية يكون فيها المواطن قريباً من السلطة التي تحاسبه وتخدمهالقبيلة ليست وزارة دفاعإسقاط العنف القبلي لا يعني إسقاط القبيلة , القبيلة جزء من النسيج الاجتماعي والثقافي السوداني، ومساحة للتكافل والانتماء، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن الدولة، أو محكمة بديلة، أو خزان تعبئة للحرب , المشكلة ليست في القبيلة، بل في عسكرة القبيلة وتسييس الانتماء الأهليوكذلك لا ينبغي أن تتحول المؤسسة العسكرية إلى طريق للحكم، ولا أن يصبح السياسي المدني شيخ ميليشيا بربطة عنق، ولا أن يتحول الخلاف السياسي إلى إعلان حرب , أما القوى المدنية، فعليها أيضاً أن تنظر في المرآة قليلاً , فالسياسة ليست كتابة بيانات إنشائية، ولا التحول إلى «قبائل سياسية صغيرة»، لكل منها شيخ متجهم، وراية خاصة، و«خط أحمر» لا يعلم أحد أين يبدأ وأين ينتهي إلا في أحلامهم المفبركة!الدولة القادمة تحتاج إلى قاعدة بسيطة — لا أحد فوق القانون، ولا أحد خارج حمايته، ولا أحد يملك حق تحويل السلاح إلى «كارت أئتمان سياسيخارطة الخروج من النفقالسودان لا يحتاج إلى وصفة سحرية , يحتاج إلى ترتيب منطقي للأولويات , أولاً، وقف الحرب وحماية المدنيين، عبر هدنة موثوقة، وممرات آمنة، ووصول إنساني حقيقي، وإجراءات تمنع استمرار الموت والجوعثم بناء الثقة- إطلاق سراح المعتقلين، عودة تدريجية وآمنة للنازحين، واستعادة الماء والدواء والغذاء والخدمات الأساسية في المناطق التي تسمح ظروفها بذلكبعد ذلك يمكن أن تبدأ مرحلة انتقالية مدنية بحكومة ذات مهام محددة، لا حكومة لتقاسم الكراسي والمغانم، وإنما حكومة تعمل على تثبيت السلام، وإعادة الخدمات، وتهيئة الانتقال السياسيثم يأتي المؤتمر الدستوري الجامع، لا ليضيف وثيقة جديدة إلى مكتبة السودان المليئة بالوثائق، وإنما ليصوغ عقداً سياسياً جديداً تشارك فيه الأقاليم، والنساء، والشباب، والقوى السياسية والمدنية والمجتمعات المحلية، وسائر أصحاب المصلحة , نريد عقداً جديداً، لا بياناً جديداًوبالتوازي، لا بد من إصلاح أمني وعسكري يعيد وضع السلاح داخل مؤسسات الدولة والقانون، وينهي استخدام القوة المسلحة كوسيلة للتنافس السياسي، ويعالج الاقتصاد العسكري، ويرتب أوضاع القوات والجماعات المسلحة وفق ترتيبات قانونية ومؤسسية واضحةثم تأتي العدالة الانتقاليةلا عدالة انتقامية تشعل حرباً جديدة، ولا مصالحة رخيصة تعني أن الجميع ينسى كل شيء ونحتاج إلى حقيقة، ومحاسبة عادلة، وتعويض للضحايا، وإصلاح للمؤسساتالمصالحة لا تعني الإفلات، والعدالة لا تعني حرق البلد – وبعد ذلك يأتي الاقتصاد – لا اقتصاد الحرب، ولا اقتصاد العمولات والامتيازات، وإنما اقتصاد الإنتاج: الزراعة، الصناعة، البنية التحتية، الطرق، المياه، البحث العلمي، فرص العمل، وحماية الموارد العامةفالشاب الذي يرى أمامه وظيفة ومستقبلاً أقل قابلية لأن يبحث عن مستقبله داخل بندقية , والمزارع الذي يستطيع أن يعيش من أرضه أقل حاجة لأن يصبح وقوداً لصراع لا يعرف نهايته – ثم يأتي الإعلام الحر والمجتمع المدني القادر على الرقابة , وبعد كل ذلك تأتي الانتخابات_فالانتخابات ليست عصا سحرية , و لا يمكن أن نضع صندوق اقتراع في شارع تحكمه البنادق، ثم نتساءل لماذا لم تنتج الديمقراطية! , نحتاج أولاً إلى الأمن، والعدالة، والإعلام الحر، وقواعد سياسية متكافئة، وسجل انتخابي نزيه، ومؤسسات تحمي النتيجة أياً كانتحين يتعافى السودان , حين يتعافى السودان، لن يعود طفلاً كبيراً يحمل بندقية , سيعود إنساناً عادياً – يختلف دون أن يقتل , يتنافس دون أن يحرق البلد , نتقد دون أن يخاف , وينتخب دون أن يسأل أولاً- «السلاح بتاع منو؟» _ وعندها سيكتشف السياسي السوداني، وربما بعد تأخر طويل، أن أفضل طريقة للفوز في اللعبة السياسية ليست امتلاك بندقية، ولا إغلاق شارع، ولا تخويف خصم، ولا اختراع عدو جديد كل صباح , إنها ببساطة– أن تقنع المواطن. , وهنا يصبح التعافي الوطني أكثر من إعادة إعمار , إنه انتقال من فقه البندقية إلى فقه الحياة- من الخوف إلى القانون- من التعبئة إلى المواطنة – من صراع القوة إلى صراع الأفكار – ومن السؤال القديم من يملك السلاح؟إلى السؤال الذي ينبغي أن يحكم السودان الجديد – لمن يملك أفضل فكرة لخدمة الإنسان؟- فإذا وصلنا إلى هذه النقطة، ربما نستطيع أخيراً أن نفعل الشيء الذي فشلنا فيه طويلاً- أن نبني دولة التي لا تحتاج إلى أن يخاف منها المواطن حتى تظل قائمةوهذه، في بلدٍ مثل السودان، ليست أمنية صغيرة – إنها بداية دولة . The post حين يتعافى السودان- من صراع البندقية إلى صراع العقل appeared first on سودانايل.
Sudanileمنبر الرأي
Share
Comments
No comments yet. Be the first to share your thoughts.
Subscribe to our newsletter
Get a summary of the latest news and analysis delivered to your inbox.
