Supporting Voices
في الرد على تعقيب البروفيسور علي محمود: المركزية الثقافية حين تتحول إلى سلطة سياسية
دكتور الوليد آدم مادبو صاحب الاختصاص، عظيم الباع في الأدب واللغة، انتقل في تعقيبه من حقله الذي يجيد أدواته إلى حقل السياسة والمجتمع، فتنكّب المسير، وكاد أن يخطئ الوجهة؛ لأنه تعامل مع أدوات حقله كما لو أنها تكفي لقراءة مجتمع كامل، فانكشف قصور الأداة، وبرزت حدود التناول، وتسلّل التحيّز إلى قراءته من حيث لا يدري. […] The post في الرد على تعقيب البروفيسور علي محمود: المركزية الثقافية حين تتحول إلى سلطة سياسية appeared first on سودانايل.
Loading…
Sudanile October 6, 2026Published 1 views
Source:Sudanile

دكتور الوليد آدم مادبو صاحب الاختصاص، عظيم الباع في الأدب واللغة، انتقل في تعقيبه من حقله الذي يجيد أدواته إلى حقل السياسة والمجتمع، فتنكّب المسير، وكاد أن يخطئ الوجهة؛ لأنه تعامل مع أدوات حقله كما لو أنها تكفي لقراءة مجتمع كامل، فانكشف قصور الأداة، وبرزت حدود التناول، وتسلّل التحيّز إلى قراءته من حيث لا يدري. وحتى لا نختلف على ما لم أقله، أقول منذ البداية إنني لم أكتب مقالتي لمنافسة العلامة عبد الله الطيب في اللغة العربية، ولا لمنازعته مكانته في الأدب والنقد. فقد امتلك رأيًا مبكرًا في الأدب واللغة، وتبحّر فيهما، وترك أثرًا لا ينكره منصف. لكن ذلك كله ليس هو موضوع المقال. أنا لا أنافس عبد الله الطيب في اللغة العربية؛ أنا أسأل عن السلطة التي اكتسبها مشروعه بسبب تلك المكانة، وعن الوظيفة التي أدتها هذه السلطة داخل المجال الثقافي السوداني. وهذا فرق بين نقد النص ونقد الموقع الذي يشغله صاحبه في المجتمع. قد يكون عبد الله الطيب عالمًا لغويًا بارعًا، وشاعرًا وناقدًا وأستاذًا ومؤلفًا موسوعيًا، ولا ينقص الاعتراف بذلك شيئًا من مشروعية السؤال عن أثر مكانته في تشكيل الوعي العام. المعرفة لا ترفع صاحبها فوق التاريخ، والمكانة الرمزية لا تمنح حصانة من النقد. من هنا أيضًا لا أجد معنى لسؤال الأستاذ: «فمن يكون د. وليد مادبو بإزاء العلامة عبد الله الطيب؟» فهذا سؤال عن رتبة الناقد لا عن صحة حجته. والقول إن «الكبار لا ينتقدهم إلا كبارهم» ليس قاعدة علمية، بل صورة من صور حراسة البوابة المعرفية. فالتخصص أداة للمعرفة، وليس رخصة لمنع الآخرين من السؤال؛ وإلا لما استطاع علم الاجتماع أن يدرس الدين، ولا التاريخ أن يدرس الجامعة، ولا السياسة أن تدرس الأدب، ولا الفلسفة أن تسأل عن السلطة الكامنة وراء إنتاج المعرفة. ولعل هذه الحراسة جزء من مأزق المجال الأكاديمي السوداني نفسه. فقد انكفأت بعض مؤسساته على ذاتها، وأصبحت تتحدث إلى داخلها أكثر مما تدخل في المعترك الفكري والسياسي والثقافي الحي. وحين تخرج من هذا الحيز لتقرأ السياسة من خارج أدواتها، تصبح المشكلة أوضح. وهذا ما حدث في التعقيب حين انتقل من الأدب إلى الحرب السودانية، واختزلها في ثنائية «الدولة» و«الميليشيا الخارجة عليها». تلك صيغة سياسية، لكنها ليست تفسيرًا تاريخيًا للحرب. فالحرب الراهنة لم تبدأ في أبريل 2023 من فراغ؛ وراءها تاريخ طويل من اختلال علاقة المركز بالأطراف، واحتكار الدولة، والتفاوت في السلطة والثروة والاعتراف، وتراتبيات الهوية التي جعلت بعض السودانيين أقرب إلى تعريف «المواطن الكامل» من غيرهم. ومن هنا تأتي صلة الثقافة بالسياسة. المركزية الثقافية ليست جزيرة منفصلة عن المركزية السياسية. فالذي يملك تعريف المعرفة والتاريخ والثقافة، ويحدد من يملك أهلية الكلام، يسهم في تشكيل المجال الذي تُعرّف داخله الدولة والوطنية والانتماء. وفي مراحل الانسداد، يمكن أن تنتقل هذه المركزية من الثقافة إلى السياسة، ومن السياسة إلى القوة. وهذا هو السؤال الذي كنت أطرحه من خلال عبد الله الطيب، لا السؤال عما إذا كان الرجل عالمًا كبيرًا أم لا. وهنا تأتي مسألة «النية». فنية المثقف لا تستنفد وظيفة خطابه؛ إذ يمكن أن يقصد الدفاع عن الوحدة بينما تنتج لغته تراتبية بين الجماعات، ويمكن أن يرى نفسه مدافعًا عن الثقافة الوطنية بينما يكون تعريفه للوطنية محكومًا بصورة مخصوصة للمجتمع والهوية. لذلك يميز التحليل الاجتماعي بين نية الفاعل وبين الوظيفة التاريخية والاجتماعية لما ينتجه. ومن هذه الزاوية تكتسب بعض المواقف المنسوبة إلى عبد الله الطيب دلالة لا يصح إسقاطها من البحث. ونقل لي الأستاذ حامد علي محمد نور مباشرةً أنه، أثناء وجود عبد الله الطيب في المغرب، دار بينهما حديث حول المشكلة السودانية، رأى فيه الطيب أن انفصال دارفور قد يكون حلًا لها، ظانًا أن محدثه شمالي. فلما علم أنه من الفاشر وأن أصوله محسية، اعتذر محتجًا بأنه لغوي ولا صلة له بالسياسة. لا أورد هذه الرواية لإصدار حكم نهائي على الرجل، ولا أزعم أن حديثًا خاصًا واحدًا يكفي لبناء تصور كامل عنه. لكن إذا صحت، فهي تطرح سؤالًا لا يحسمه القول «أنا لغوي ولست سياسيًا»: إذا كان المثقف قد امتلك رأيًا في مصير إقليم سوداني، ثم تغير موقفه حين اكتشف أن مخاطبه ينتمي إلى ذلك الإقليم، فأين تنتهي الفكرة السياسية وتبدأ علاقتها بصورة الآخر؟ أما موقفه من الجنوب، فقد نُسب إليه بيت شعري قيل في سياق الحديث عن مقتل الشماليين في الجنوب، ووُصف فيه الجنوبيون بالعبيد، ثم قيل إنه اعتذر عنه لاحقًا، كما نقل لي د. الصديق عمر الصديق. ولا ينبغي اقتطاع البيت من سياقه أو تحميله ما لا يحتمل؛ لكن ورود مثل هذا الوصف، إن صحت نسبته، يظل مادة مشروعة للسؤال: كيف تتشكل صورة الآخر في خطاب المثقف، وكيف يمكن أن تتسلل تحيزات البيئة والتاريخ إلى اللغة الأدبية؟ وهنا لا أحتاج إلى إطلاق حكم أخلاقي جاهز. يكفي أن نقرأ النص والموقف والسياق معًا. فقد يكون المرء واسع المعرفة في التراث واللغة، ومتقدمًا في الأدب والنقد، ثم يظل أسيرًا لبعض تصورات عصره وبيئته. المعرفة الموسوعية لا تمنح عصمة من تحيزات الزمان، والعبقرية الأدبية لا تعني بالضرورة اتساع الأفق السياسي. وهذا لا ينتقص من عبد الله الطيب؛ بل يضعه في التاريخ. فالفارق كبير بين دراسة عبد الله الطيب وعبادته. الدراسة تقرأ إنجازاته وحدوده وتضعه داخل زمانه ومجتمعه؛ أما العبادة فتنتقي من صورته ما يليق بالمقام، ثم تجعل النقد نفسه تعديًا على المقام. إن كان عبد الله الطيب، كما يقول الأستاذ علي محمود، مشروعًا حضاريًا واسعًا، فذلك سبب إضافي لقراءته بلا حصانة. فكلما اتسعت سلطة المثقف الرمزية، اتسعت مسؤولية المجتمع عن مساءلتها. غير أن أكثر ما يستوقفني في التعقيب هو انتقاله من مناقشة أفكاري إلى توصيف موقفي السياسي ونسبتي إلى الدعم السريع. وليس هذا الانتقال تفصيلًا عابرًا في سياق الرد؛ فهو، من حيث لا يريد التعقيب، يعيد إنتاج شيء من المشكلة التي كنت أناقشها: حين يتحول الاختلاف في تفسير المركزية الثقافية إلى اصطفاف سياسي، نكون قد غادرنا نقد الأفكار إلى توزيع الولاءات. وهذا في سياق الحرب السودانية ليس أمرًا عابرًا. فنسبة شخص إلى أحد أطراف الحرب ليست وصفًا أدبيًا. وكلما كان الاتهام أثقل، وجب أن يكون الدليل أثقل. والمفارقة أن التعقيب أعاد إنتاج ما كنت أنقده: بدل مناقشة الحجة، سأل عن أهلية صاحبها؛ وبدل تفكيك علاقة المركز بالهامش، انتقل إلى تصنيف الكاتب سياسيًا. وهنا تتحول المركزية من موضوع للنقد إلى طريقة في إدارة النقاش نفسه. لذلك لم يكن مقالي عن عبد الله الطيب وحده، بل عن السلطة التي يمكن أن تتخفى داخل المعرفة حين تتحول المكانة الثقافية إلى حق في تعريف السودان والسودانيين، وحين تلتقي هذه التعريفات بالمركز السياسي الذي يحتكر الدولة، ثم بالمركز العسكري الذي يحتكر القوة. ومن ثم فليس السؤال الذي يستحق الإجابة: «من أنت حتى تنتقد عبد الله الطيب؟» السؤال هو: أين أخطأت في توصيف علاقة الثقافة بالسلطة والمركز والهامش؟ هذه هي ساحة النقاش استنادًا إلى النقطة المركزية في مقالي وليس تتبعًا للهفوات أو تحيزًا إلى قضايا فرعية أو مسائل جانبية. أما تحويل النقاش إلى أهلية الناقد، وانتمائه الجهوي، وولائه السياسي، وموقعه من الحرب، فلا يجيب عن شيء. بل يكشف مقدار حضور المركزية في طريقة إدارة الحوار. عبد الله الطيب كان عالمًا كبيرًا، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى نزاع. لكنه كان أيضًا ابن زمانه ومجتمعه، وموقعه الثقافي جزء من التاريخ السوداني؛ ولذلك فهو، مثل كل شخصية ذات أثر، قابل للقراءة والنقد وإعادة النظر. والأستاذ علي محمود أستاذ في مجاله، ولا أنازعُه في ذلك. لكن الأستاذية في الأدب لا تمنح صاحبها بالضرورة مفاتيح السياسة السودانية، كما أن التفوق في اللغة لا يعفي صاحبه من الخطأ حين يغادر حقل تخصصه. أما أنا، فلا أطلب شهادة أهلية من أحد. فليأتِ كل منا بحجته؛ نضع الحجة إلى جوار الحجة، ثم ندع القارئ يحكم. auwaab@gmail.com The post في الرد على تعقيب البروفيسور علي محمود: المركزية الثقافية حين تتحول إلى سلطة سياسية appeared first on سودانايل.
Sudanileمنبر الرأي
Share
Comments
No comments yet. Be the first to share your thoughts.
Subscribe to our newsletter
Get a summary of the latest news and analysis delivered to your inbox.
