1 Oct 2026
Khartoum
17:24
London
16:24
Brussels
17:24
Cairo
18:24
Dubai
19:24
Washington
11:24
Back to section
Supporting Voices

مجد على الأنقاض

خديجة الرفاعي هل يُعقل أن تكون دولة بأكملها تعيش في عتمة دائمة، ينقطع عنها التيار الكهربائي أيامًا متصلة، وتجفّ صنابيرها من الماء، وتتهاوى مرافقها الصحية حتى باتت المستشفيات القليلة الصامدة تعمل بالكاد وبلا دواء ولا كوادر كافية، ومعظم وزاراتها تُدار بنسبة ضئيلة من طاقتها البشرية بعد أن هجرها موظفوها بين نازح ولاجئ وقتيل، أن تكون […] The post مجد على الأنقاض appeared first on سودانايل.

Loading…

Sudanile September 30, 2026Published 1 views
Source:Sudanile
مجد على الأنقاض
خديجة الرفاعي هل يُعقل أن تكون دولة بأكملها تعيش في عتمة دائمة، ينقطع عنها التيار الكهربائي أيامًا متصلة، وتجفّ صنابيرها من الماء، وتتهاوى مرافقها الصحية حتى باتت المستشفيات القليلة الصامدة تعمل بالكاد وبلا دواء ولا كوادر كافية، ومعظم وزاراتها تُدار بنسبة ضئيلة من طاقتها البشرية بعد أن هجرها موظفوها بين نازح ولاجئ وقتيل، أن تكون كل هذه الدولة مجرد خلفية باهتة في ذهن قائد عسكري يبحث عن مجدٍ شخصي يتوّجه رئيسًا، غير مُلتفتٍ إلى شيء من هذه المآلات؟ هذا هو بالضبط ما يعيشه السودان اليوم، دولة أنهكتها أربع سنوات من حرب لا تلوح لها نهاية، بينما يبدو أن هاجس القائد العسكري الأول ليس كيف يوقف النزيف، بل كيف يضمن مقعدًا في قصر الرئاسة حين تسكت المدافع، إن سكتت. فالسودان اليوم ليس دولة تُحصي خسائرها الاقتصادية أو تعدّ أضرارها في البنية التحتية فحسب، بل دولة تحوّل جلّ سكانها إلى نازحين ولاجئين، في واحدة من أكبر أزمات النزوح التي يشهدها العالم في العقود الأخيرة. الملايين تكدّسوا في معسكرات مؤقتة داخل حدود بلادهم، أو عبروا الحدود إلى تشاد ومصر وجنوب السودان وغيرها، يفترشون الأرض في مخيمات لا تفي بأبسط شروط الكرامة الإنسانية، بينما من تبقّى منهم في الداخل يُعاني تحت وطأة حربٍ مستمرة، وفقرٍ مدقع، وانعدام شبه كامل للخدمات الأساسية. هذه ليست أرقامًا في تقرير أممي عابر، بل ملايين من البشر فقدوا بيوتهم وأمنهم ومستقبلهم، بينما تستمر الحرب التي تُدار باسمهم دون أن تسألهم رأيًا فيها. وفي مقابل هذا الانهيار الشامل، يبدو أن معركة قائد الجيش الحقيقية ليست معركة إنقاذ الدولة من الانهيار، بل معركة تثبيت شرعيته السياسية وتحويل موقعه العسكري المؤقت إلى مشروع رئاسي دائم. فكل خطوة سياسية يتخذها، من “مبادرات الحوار” التي تُطلَق بين حين وآخر إلى الترتيبات الدستورية التي تُناقَش في الغرف المغلقة، تصبّ في اتجاه واحد: تثبيت موقعه في معادلة ما بعد الحرب، لا إنهاء الحرب ذاتها بأسرع وقت ممكن وبأقل الخسائر الممكنة. وكأن الحرب، بكل ما تجرّه من دمار، تحوّلت من كارثة وطنية يجب اجتثاثها، إلى مسرح يُدار بعناية لصناعة صورة المنقذ الذي سيقود البلاد بعد النصر، ولو كان هذا النصر على أنقاض دولة لم يعد فيها ما يستحق أن يُحكَم. والمفارقة المؤلمة أن من يُفترض أن يكون حارس الدولة ومؤسساتها أي المؤسسة العسكرية هي ذاتها من تدير معركته الشخصية على حساب الدولة، بينما تُترك الوزارات الخدمية من الصحة إلى الكهرباء إلى المياه إلى التعليم، تُدار بجهد فردي من موظفين صامدين منهم من لم يتقاضوا رواتبهم منذ أشهر يعملون في مبانٍ متهالكة أو مدمّرة بلا موازنات حقيقية ولا دعم مركزي جاد. فبينما يُصرَف الجهد السياسي والدبلوماسي كله على تثبيت موقع القائد في معادلة السلطة القادمة، تتآكل الدولة من الداخل، ويتحول الحديث عن “الرئاسة” إلى ترف سياسي في بلد لم يعد يملك الحد الأدنى من مقومات الدولة الوظيفية. وهنا يُطرح السؤال الجوهري: أي شرعية يبحث عنها من يقود بلدًا هذا حاله؟ فالمجد الشخصي الذي يُراد تثبيته اليوم لن يُبنى إلا على أنقاض شعبٍ مشرَد، ودولة مفككة ومؤسسات منهارة. ولعل أعمق مأساة في هذا المشهد أن معركة البقاء في السلطة تُدار بمنطق منفصل تمامًا عن معركة إنقاذ الناس، وكأن ثمة دولتين: دولة افتراضية يُخطَّط لرئاستها في الغرف المغلقة، ودولة حقيقية يموت أهلها جوعًا ومرضًا ونزوحًا في العراء. ولن يكتب التاريخ لمن يصل إلى القصر على هذا النحو مجدًا، بل سيكتب له وصمة قائدٍ رأى بلاده تحترق واختار أن يتفاوض على موقعه من الرماد بدلًا من أن يُطفئ النار. The post مجد على الأنقاض appeared first on سودانايل.
Sudanileمنبر الرأي
Share

Comments

Please log in to leave a comment.

No comments yet. Be the first to share your thoughts.

Subscribe to our newsletter

Get a summary of the latest news and analysis delivered to your inbox.

ملفات تعريف الارتباط

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتتبع زياراتك وتحسين تجربتك، وعرض صفحة المنبر على فيسبوك وموقعنا الإلكتروني لمتابعتك دائماً. بموافقتك، نحفظ معرّف زائر لتتبع زياراتك.

فيسبوك
واتساب