The Library
رحيل حيدر إبراهيم… حين يغيب أحد ضمائر السودان الفكري
دكتور محمد عبدالله رحم الله الدكتور حيدر إبراهيم علي، عالم الاجتماع والمفكر والكاتب السوداني، ومؤسس مركز الدراسات السودانية. كان رحيله سيبدو في أي وقت خسارة كبيرة، لكنه يأتي الآن، والسودان في واحدة من أحلك لحظات تاريخه، فيجعل الفقد أكثر إيلاماً؛ لأن الرجل لم يكن مجرد أكاديمي يكتب عن السودان من مسافة، بل كان واحداً من […] The post رحيل حيدر إبراهيم… حين يغيب أحد ضمائر السودان الفكري appeared first on سودانايل.
Loading…
Sudanile September 26, 2026Published 1 views
Source:Sudanile

دكتور محمد عبدالله رحم الله الدكتور حيدر إبراهيم علي، عالم الاجتماع والمفكر والكاتب السوداني، ومؤسس مركز الدراسات السودانية. كان رحيله سيبدو في أي وقت خسارة كبيرة، لكنه يأتي الآن، والسودان في واحدة من أحلك لحظات تاريخه، فيجعل الفقد أكثر إيلاماً؛ لأن الرجل لم يكن مجرد أكاديمي يكتب عن السودان من مسافة، بل كان واحداً من المثقفين الذين جعلوا من التفكير في السودان شأناً عاماً ومسؤولية أخلاقية. وُلد حيدر إبراهيم علي في القرير عام 1943، ودرس التاريخ والتربية في معهد المعلمين العالى ” كلية التربية ” لاحقاً بأم درمان، ثم علم الاجتماع في القاهرة، قبل أن يحصل على الدكتوراه في العلوم الاجتماعية من جامعة فرانكفورت عام 1978. عمل بالتدريس والبحث في السودان وخارجه، في جامعات ومؤسسات أكاديمية عربية ودولية، قبل أن يتفرغ بصورة واسعة للبحث والكتابة والعمل الثقافي. لكن السيرة الأكاديمية وحدها لا تكفي لتفسير مكانته في الحياة الفكرية السودانية. فقد كان حيدر إبراهيم واحداً من أولئك الذين حاولوا أن يجعلوا من علم الاجتماع أداة لفهم السودان لا مجرد تخصص جامعي. انشغل بالدولة والمجتمع، بالديمقراطية والمجتمع المدني، بالدين والسياسة، بالتنمية، وبأزمة النخب السودانية، وظل طوال عقود يلاحق السؤال الأصعب: لماذا يتعثر السودان باستمرار في بناء الدولة والمجتمع الديمقراطي؟ وفي عام 1992 أسس في القاهرة مركز الدراسات السودانية، الذي تحول إلى مؤسسة فكرية وثقافية ذات أثر بالغ في إنتاج المعرفة حول السودان ونشرها، وإلى مساحة رحبة للباحثين والكتاب السودانيين. كما أصدر المركز مجلة “كتابات سودانية” ، ونشر عدداً كبيراً من الدراسات والكتب التي أصبحت جزءاً من الذاكرة الفكرية السودانية. كان من أبرز موضوعاته نقد الإسلام السياسي، لكنه لم يتعامل معه باعتباره مجرد خصومة سياسية عابرة، وإنما حاول تفكيك جذوره الفكرية والاجتماعية وآثاره على الدولة والمجتمع. ومن كتبه في هذا المجال “أزمة الإسلام السياسي – الجبهة الإسلامية نموذجاً”، و” سقوط المشروع الحضاري” ، و”مراجعات الإسلاميين” ، إلى جانب أعماله حول الديمقراطية والمجتمع المدني والعلمانية ولاهوت التحرير وسوسيولوجيا الفتوى. ولم يكن نقده للإسلام السياسي سوى جزء من مشروع أوسع عنوانه التنوير والتحرير. فقد ظل مشغولاً بالعلاقة بين الدين والحرية، وبين السلطة والمعرفة، وبين المجتمع والدولة. وتكشف قراءة حديثة لمشروعه الفكري أنه دعا إلى قراءة إسلامية تربط العبادة بالعدل الاجتماعي، وإلى ديمقراطية تحمي التعدد الديني والثقافي والإثني من هيمنة الأغلبية. وكانت شجاعته الفكرية جزءاً من مآثره. فقد مُنعت بعض كتبه ومقالاته في السودان، وأُغلق مركز الدراسات السودانية وصودرت ممتلكاته في إحدى مراحل نشاطه، لكنه لم يتخل عن الكتابة ولم يتحول إلى الصمت. وحين اضطر إلى الإقامة خارج السودان، ظل السودان حاضراً في كتبه ومقالاته ومحاضراته، وظل يتابع قضاياه من القاهرة وغيرها. ولعل من أجمل ما يمكن أن يقال عن حيدر إبراهيم أنه لم يكن مثقفاً يبحث عن إجماع حوله. كان يكتب لكي يثير السؤال، ويجادل لكي يختبر الأفكار، ويختلف لكي يفتح نافذة جديدة على المسألة التي يناقشها. وفي زمن كثرت فيه الكتابة التي تساير السلطة أو الجمهور أو المزاج العام، حافظ الرجل على استقلال صوته، حتى عندما جعلته مواقفه في مواجهة قوى سياسية وفكرية نافذة. وقد كان إنتاجه غزيراً على نحو استثنائي، وتنوع بين البحث الأكاديمي والكتاب الفكري والمقالة السياسية والسيرة الذاتية والدراسة الاجتماعية. ومن أعماله “التغيير الاجتماعي والتنمية”، “مقدمة في علم الاجتماع” ، “الديمقراطية والمجتمع المدني في السودان”، “التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية” ، “المثقفون: التكوين في السودان” ، “المجتمع المدني والمجتمع التقليدي في السودان” ، و”أزمنة الريح والقلق والحرية” . لكن قيمة حيدر إبراهيم لا تقاس بعدد كتبه وحده. فبعض المثقفين يتركون وراءهم مكتبة، وبعضهم يتركون تقليداً في التفكير. وأحسب أن حيدر كان من الفئة الثانية. فقد علّم أجيالاً من السودانيين أن الوطن ليس نشيداً وشعاراً، وأن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات، وأن الدين لا ينبغي أن يكون غطاءاً للسلطة، وأن مهمة المثقف ليست تبرير الواقع وإنما مساءلته. وفقده في هذه اللحظة بالذات فادح على نحو خاص. فالسودان يعيش حرباً مزقت الدولة والمجتمع، وأعادت إلى الواجهة أسئلة كان حيدر قد أمضى عقوداً في تفكيكها: سؤال العسكر والدولة، والدين والسياسة، والاستبداد والديمقراطية، ومأزق النخب، وعجز السودانيين عن بناء دولة تتسع لتنوعهم. نحن لا نفقد اليوم عالماً في علم الاجتماع فحسب، ولا كاتباً غزير الإنتاج فحسب، وإنما نفقد ذاكرة حية من ذاكرة السودان الفكرية الحديثة. نفقد رجلاً أمضى جانباً كبيراً من عمره وهو يحاول أن يفهم لماذا يفشل السودان، وكيف يمكن أن يخرج من الدائرة التي ظل يدور فيها منذ الاستقلال. رحم الله حيدر إبراهيم علي. رحل الرجل، لكن الأسئلة التي حملها معه لم ترحل. وربما كانت هذه هي أقسى دلالة في غيابه: أن السودان الذي أفنى حيدر عمره في محاولة فهم أزماته، لا يزال واقفاً عند الأسئلة نفسها، بينما غاب أحد أكثر أصواته قدرة على صياغتها. وستبقى كتبه، ومركز الدراسات السودانية، ومقالاته، والجدالات التي أثارها، شاهدة على رجل اختار أن يجعل من الفكر فعلاً من أفعال المقاومة، ومن الكتابة محاولة مستمرة لإنقاذ العقل السوداني من الاستبداد والكسل الفكري واليقين المغلق. رحم الله حيدر إبراهيم، وعزاؤنا أن الذين يرحلون بأجسادهم قد يتركون وراءهم ما هو أبقى من الحياة: سؤالاً كبيراً لا يستطيع الموت أن يجيب عنه. muhammedbabiker@aol.co.uk The post رحيل حيدر إبراهيم… حين يغيب أحد ضمائر السودان الفكري appeared first on سودانايل.
Sudanileمنبر الرأي
Share
Comments
Please log in to leave a comment.Log in
No comments yet. Be the first to share your thoughts.
Subscribe to our newsletter
Get a summary of the latest news and analysis delivered to your inbox.
