5 Oct 2026
Khartoum
13:55
London
12:55
Brussels
13:55
Cairo
14:55
Dubai
15:55
Washington
07:55
Back to section
Supporting Voices

هل السودان مدمن فشل؟ أم أننا أدمنّا تفسير الفشل؟

زهير عثمان ليس هناك ما هو أشد خطراً على وعي الأمم من تحويل الهزائم المتلاحقة إلى أقدار محتومة، أو التعامل مع الأزمات المتكررة وكأنها عيب أصيل في طبيعة الشعوب، لا نتيجة لمسارات سياسية وتاريخية يمكن فهمها ومساءلة المسؤولين عنها وتغيير شروط استمرارهاطالما تردد السؤال- هل السودان بلد مدمن للفشل؟ وكأن الأوطان تولد وفي جيناتها عاهة […] The post هل السودان مدمن فشل؟ أم أننا أدمنّا تفسير الفشل؟ appeared first on سودانايل.

Loading…

Sudanile October 3, 2026Published 1 views
Source:Sudanile
هل السودان مدمن فشل؟ أم أننا أدمنّا تفسير الفشل؟
زهير عثمان ليس هناك ما هو أشد خطراً على وعي الأمم من تحويل الهزائم المتلاحقة إلى أقدار محتومة، أو التعامل مع الأزمات المتكررة وكأنها عيب أصيل في طبيعة الشعوب، لا نتيجة لمسارات سياسية وتاريخية يمكن فهمها ومساءلة المسؤولين عنها وتغيير شروط استمرارهاطالما تردد السؤال- هل السودان بلد مدمن للفشل؟ وكأن الأوطان تولد وفي جيناتها عاهة مستدامة تمنعها من النهوض. غير أن السؤال الذي يستحق مواجهة أكثر شجاعة هو- هل فشلنا في تجاوز أزماتنا لأننا لم نفهم أسبابها، أم لأننا حوّلنا تفسيرها إلى بديل عن تغييرها؟هنا تكمن المفارقة- فالسودان لم يعانِ من نقص في التشخيص بقدر ما عانى من اتساع المسافة بين المعرفة والممارسة، وبين الاعتراف بالأزمة والاستعداد لتحمل كلفة معالجتها. لقد أنتجت الحياة السياسية والفكرية السودانية، على مدى عقود، قدراً كبيراً من التحليلات والمراجعات والاعترافات بالأخطاء، لكن هذا التراكم لم يتحول بالقدر الكافي إلى مؤسسات مستقرة، أو قواعد عادلة لتوزيع السلطة والثروة، أو تقاليد سياسية تمنع إعادة إنتاج المآسي نفسهاكلما دخلت الدولة منعطفاً جديداً من الانهيار، عادت التفسيرات المألوفة إلى الواجهة. مرة نستدعي الإرث الاستعماري، ومرة نحتكم إلى مظالم الأقاليم والتفاوت التاريخي، ومرة نحمّل التدخلات الخارجية مسؤولية ما يحدث، ومرة أخرى نردّ الأزمة إلى صراع الهويات أو عجز القياداتوهذه كلها عوامل تستحق البحث، ولا يجوز إلغاء أثرها أو التعامل معها باعتبارها مجرد ذرائع. لكن السؤال الذي يظل معلقاً هو- متى يتحول التفسير من أداة لفهم الواقع إلى وسيلة لتأجيل المساءلة؟- فالإرث التاريخي لا يتخذ القرارات نيابة عن السياسيين، والتهميش لا يبرر كل ممارسة، والتدخل الخارجي لا يعفي الفاعلين المحليين من مسؤولية خياراتهم. إن فهم الظروف التي أنتجت الأزمة لا يعني إعفاء من ساهموا في صنعها، مثلما أن مساءلة النخب لا تعني اختزال التاريخ كله في أخطاء مجموعة من الأشخاصلقد تعاملت قطاعات من النخبة السودانية مع الدولة، في مراحل مختلفة، باعتبارها مجالاً للسيطرة وتوزيع الامتيازات أكثر من كونها مؤسسة عامة تقوم على المواطنة وسيادة القانون , وتراجعت قضايا بناء الاقتصاد المنتج، وإصلاح المؤسسات، وتحقيق العدالة بين الأقاليم، أمام صراعات السلطة والتحالفات المؤقتة والحروب الأيديولوجيةوحين تعثرت التجارب السياسية، كثيراً ما تقدمت الشعارات لتفسير الهزيمة، بينما ظلت الأسئلة الصعبة حول المسؤولية والمحاسبة والإصلاح مؤجلةلكن النخبة السودانية ليست كتلة واحدة، ولا تتساوى مكوناتها في المسؤولية أو القدرة على اتخاذ القرار. فالمؤسسة العسكرية ليست حزباً مدنياً، ومن احتكروا السلاح والسلطة لا تتطابق مسؤولياتهم مع مسؤوليات المثقفين المستقلين أو القوى التي حُرمت من الوصول إلى مراكز القرارلذلك فإن النقد الجاد لا يكتفي بإدانة النخبة في مجموعها، بل يميز بين مواقع القوة، وأنماط المسؤولية، والقرارات التي أسهمت في إضعاف الدولة وتقويض فرص الانتقال السياسي , المشكلة الأعمق أن الفشل لم يعد يظهر دائماً باعتباره خللاً ينبغي تصحيحه؛ ففي بعض شبكات المصالح قد يتحول استمرار الأزمة إلى مصدر نفوذ أو مورد اقتصادي أو وسيلة لإقصاء المنافسين , وحين تصبح الفوضى مفيدة لبعض الفاعلين، لا يعود الإصلاح مجرد مسألة فنية، بل يصبح صراعاً مع مصالح تستمد قوتها من بقاء الأوضاع على حالهامن هنا لا يكفي تغيير الوجوه أو استبدال الشعارات. فإذا بقيت قواعد توزيع السلطة والثروة كما هي، وظل السلاح قادراً على فرض شروطه على السياسة، وظلت المؤسسات خاضعة لموازين القوة بدلاً من القانون، فإن الوجوه الجديدة قد تجد نفسها تعيد إنتاج الممارسات القديمة، حتى لو وصلت إلى الحكم تحت رايات مختلفةوهنا ينبغي أن نلتفت إلى مسؤولية المثقف نفسه. فالمعرفة لا تُقاس بعدد المصطلحات التي يجيد المرء ترديدها، ولا بقدرته على تحويل كل أزمة إلى خطاب بليغ، وإنما بقدرته على التمييز بين الوقائع والانطباعات، وبين التحليل والتخمين، وبين تفسير ما حدث وتحديد ما يمكن تغييرهوفي بعض سجالات الفضاءات الصوتية، ومنها كلوب هاوس، تبدو أحياناً وكأن الجرأة في الحديث تكفي لصناعة الخبير، وأن ارتفاع النبرة يمكن أن يحل محل الدليل، وأن إطلاق الأحكام يغني عن تفكيك الوقائعوقد يتحول الفضاء الذي يفترض أن يتيح تبادل المعرفة إلى فضاء للتضليل والسفه، حين يصبح الادعاء بالمعرفة أهم من امتلاكها، والانتصار في السجال أهم من الاقتراب من الحقيقة , ليست المشكلة في الاختلاف، ولا في تعدد القراءات السياسية؛ فذلك جزء من أي نقاش عام حيالمشكلة حين يتحول الاختلاف إلى استعراض، وحين تُقدَّم التخمينات باعتبارها معلومات، وتُعامل الآراء الشخصية كما لو كانت حقائق نهائية، ويصبح الاعتراف بعدم المعرفة عيباً أكبر من نشر معلومة مضللة , السودان لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات التي تتبارى في وصف أزماته، بقدر ما يحتاج إلى ثقافة عامة تربط الكلام بالمسؤولية، والتحليل بالدليل، والنقد بالاستعداد لمراجعة الذات. فالمثقف الذي ينشغل بإثبات أنه يفهم الأزمة أكثر من انشغاله بكشف آلياتها، قد يتحول، من حيث لا يدري، إلى جزء من المشكلة التي يظن أنه يشرحهاإن الخروج من دائرة الفشل لا يبدأ بإنكار التاريخ، ولا بتبرئة النخب، ولا بإدانة الجميع بالجملة , و يبدأ بالتمييز بين أسباب الأزمة ومبررات استمرارها، وبين من امتلكوا القرار ومن دفعوا ثمنه، وبين المعرفة التي تفتح طريقاً للتغيير والخطابة التي تمنح العجز لغة أنيقة , السودان ليس محكوماً بلعنة الفشل، لكن الخروج من أزماته يتطلب أكثر من استبدال قاموس التبرير بقاموس الاتهام- المطلوب هو تفكيك الآليات التي تعيد إنتاج الفشل، ومساءلة أصحاب القرار، وإصلاح المؤسسات والعلاقات التي تسمح بتحويل الدولة إلى ساحة للصراع على النفوذ والمواردفالمشكلة ليست أننا لا نعرف كيف نفسر أزماتنا؛ بل أننا كثيراً ما نتعامل مع التفسير وكأنه نهاية التفكير، ومع التشخيص وكأنه إنجاز، ومع الخطابة وكأنها فعل سياسي , ولن يخرج السودان من دائرة الفشل بإتقان رثائه، ولا بالتباري في تفسير أسباب سقوطه، وإنما بتحويل المعرفة إلى مساءلة، والمساءلة إلى إصلاح، والإصلاح إلى واقع يلمسه الناس في حياتهم اليومية , وإلا فسنظل نختلف في تفسير الهاوية، ونتبارى في وصف عمقها، بينما يواصل الوطن السقوط. zuhair.osman@aol.com The post هل السودان مدمن فشل؟ أم أننا أدمنّا تفسير الفشل؟ appeared first on سودانايل.
Sudanileمنبر الرأي
Share

Comments

Please log in to leave a comment.

No comments yet. Be the first to share your thoughts.

Subscribe to our newsletter

Get a summary of the latest news and analysis delivered to your inbox.

ملفات تعريف الارتباط

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتتبع زياراتك وتحسين تجربتك، وعرض صفحة المنبر على فيسبوك وموقعنا الإلكتروني لمتابعتك دائماً. بموافقتك، نحفظ معرّف زائر لتتبع زياراتك.

فيسبوك
واتساب