The Library
أسامة الطيب – فيلسوف الموت والحياة
عبدالله الهاشمي يوسف سعيد أسامة الطيب – فيلسوف الموت والحياة رواية «شهوات النعناع»: انكسار العدم أمام عنفوان الروح لم أكن أود الكتابة مجددا عن رواية “شهوات النعناع” للروائي والشاعر والمعلق الصوتي السوداني أسامة معاوية الطيب، لكن تجربتي مع قراءتها لعدة مرات، لغرض أفصح عنه لاحقا، كشفت لي جوانب أخرى مهمة دفعتني لكتابة هذا المقال كوني […] The post أسامة الطيب – فيلسوف الموت والحياة appeared first on سودانايل.
Loading…
Sudanile October 3, 2026Published 1 views
Source:Sudanile

عبدالله الهاشمي يوسف سعيد أسامة الطيب – فيلسوف الموت والحياة رواية «شهوات النعناع»: انكسار العدم أمام عنفوان الروح لم أكن أود الكتابة مجددا عن رواية “شهوات النعناع” للروائي والشاعر والمعلق الصوتي السوداني أسامة معاوية الطيب، لكن تجربتي مع قراءتها لعدة مرات، لغرض أفصح عنه لاحقا، كشفت لي جوانب أخرى مهمة دفعتني لكتابة هذا المقال كوني قارئاً ومحباً للأدب الهادف. تشتمل الرواية على جوانب فلسفية وجمالية عميقة تحتاج الى نقاد مختصين للكشف عنها. من هذا المنطلق، أود لفت نظرهم للتمعن فيها مجددا، لأنها تحكي عن حقبة مهمة عاشها جيل التسعينيات على أرض الواقع، وتعيشه الأمة كلها الآن بكثافة أشد. يهدف هذا المقال القصير لكشف جانب واحد من جوانب الرواية وهو فلسفة الحياة والموت لدى الكاتب وكشف ما شيده من حوارٍ فلسفي عميق. تتشابك في أروقة السرد عند أسامة معاوية الطيب جدلية الموت والحياة لتخرج عن مفاهيمها الجسدية والبيولوجية المباشرة. تغدو التجربة رحلة وجودية تعيد تعريف الكائن البشري وموقعه من الكون. لا يقدم الكاتب الموت بصفته نهاية حتمية للمادة، ولا يرى في الحياة مجرد استمرار لمجرى النفْس والجسد. إن الفلسفة المنبثقة من ثنايا النص تقوم على قلب الموازين التقليدية. الموت الحقيقي ليس السكون النهائي ولكنه الخوف من الرحيل. إنه السقوط في جب الضعف والارتهان للقهر. تتجلى هذه الفلسفة أولاً في صراع الروح مع بيئة المستشفى الباردة. يُبرز الكاتب طقوس البياض الطبي لا بصفته ملاذاً للشِفاء كما علِق بأذهاننا، بل بوصفه وجهاً آخر لسطوة الفناء. ينعت الراوي “التاج”، الممدد على فراش الموت والمرض، هذا الفضاء بـ «بياضها الأسود.. بياضها المشبوه المتحرش.. البياض المتحالف مع سطوة الموت». وفي مواجهة هذا الجدار الصادم من أجهزة ومحاليل، ينهض الراوي “التاج” ليؤكد انتصار الحياة في تفاصيلها البسيطة. يطلب الماء، ينادي زوجته “ابتسام” ويستمتع بمناداتها مستشعراً احتفاءً خاصاً بالكلمة ليُعلم الكون أن «هذه الحمامة هي زوجتي». يتجاوز قيود المرض بالتمرد الصغير. يمشي بالأسلاك الموصلة لجسده، يغني ويردد أشعار صديقه الشهيد “سيف” ويصلي الصبح في الممر. هنا يصوغ الكاتب قاعدة وجودية حاسمة وهي أن «الحياة أكبر من أن تؤخذ بالتعليمات. الحياة أوسع من التزام برقدةٍ، أو تقيّدٍ بوصفةٍ، أو احتمالٍ لجرعاتٍ قاسية». وفي المقابل، يتجلى الموت الحقيقي في أعتى صوره حين يتحول الإنسان إلى أسير للخوف ومُمارِس للبطش. السجّان في هذا النص هو الميت الفعلي حين يدعي الكاتب أن العدم يتسلل إلى الروح ويقتلها قبل الجسد. ينكشف ذلك حين يقرر الكاتب بوضوح أن «الموت أن يظلّ السجّان، سجيناً في ضعفه وانكساره، وهوانه على نفسه قبل الناس، وأن يظل المريض خائفا من الرحيل فيُضيع الحياة». يُختزل هذا المعنى في عبارة مكثفة تختصر الفلسفة بأكملها حين يقول «الموت أن تخشى الموت». السطوة هنا ليست للموت كمصير محتوم. السطوة للرعب الذي يسبقه فيفقد الكائن معناه وقيمته. ومن قلب هذه الرؤية تأتي “قصاصة سيف” لتشكل المانفيستو الفلسفي للعمل ككل. البطولة والخلود لا يكمنان في تجنب الفناء، بل في مواجهته بكامل الحضور والتوهج. تجسد رسالة “سيف” هذه المواجهة حين كتب «أن تموت يا صديقي وأنت تحتفظ بكل عنفوان الحياة… تتكسّر سطوة الموت». تنهدم سلطة الفناء حين يُجرّ الموت رغماً عنه إلى ساحة الوجود والنضال. يصبح حينها مجرد زائر عاجز أمام روح تصر على السطوع. تؤكد الرواية هذه الحقيقة بإعلان صارم لصالح “التاج” على لسان “سيف” «لم تكن يوماً تاجاً للموت، لأن الموت لا تاج له يا صديقي». أمّا الذاكرة في النص، فتتحول إلى جسر يتجاوز لحظة الانطفاء الفردي. في لحظات الاحتضار، وتحت سقف الغرفة الشاخص الذي كان يهرب إليه الراوي عند الغناء، ينفتح بصر البصيرة. يتلاشى عجز الحواس المادي ليحل محله موكب تاريخي وروحي مكتمل. يرى الراوي أمه، وأباه، وجده الإمام “طه ود بشير” ممسكاً بـرموز النضال السابق «العمامة والسيف والمسبحة والخاتم في زهوٍ بالغ»، ومعه الجموع التي كانت ترتطم بـ «نيران التُرك، يتطاير اللهيب من قلوبهم كفراشاتٍ فريدة الألوان، وكأنها تجري نحو مواسم حصادها لا حتفها». هنا يتلاحم التاريخ الشخصي بالتاريخ النضالي للأمة. تبدو الشهادة والرحيل الشجاع وكأنهما شَكٌّ للموت «بحربة الحياة فيأخذهما معاً ويمضي غير آبه». تكتمل صورة الشهيد “سيف” في المخيلة، بكل محمولاتها في ذاكرة بداية التسعينيات، كملاك أسمر يحمل جراحه ببطولة، «بأصبعه الذي أتلفه مسمارٌ حاقد، ورأسه المشجوجة بلا رحمة، وأعينه المتورمة تحت حريق أعقاب السجاير». هذا الجسد الممزق بأدوات التعذيب يتسامى ليصبح رمزاً للفداء. ينسحب الأذى الجسدي لصالح يقين روحاني لا يُقهر. ومع انسحاب الأشياء من حول الراوي شيئاً فشيئاً، والغوص في كومة القطن العملاقة التي تمثل لحظة الانفصال الأخير، لا يكون الرحيل صمتاً مطبقاً، بل يكون الرحيل امتلاءً حسياً ونفسياً. تستحضر الروح دموع الأم التي «تغسلني من كل خطيئة»، ونظرات الأب المنطفئة التي «تهيئني لجسارة الأسئلة». يكون الموت عبوراً ناعماً تشيعه أصوات البكاء الحميم، والقصائد، ودفء الأحضان. إن الحياة في هذا النص لا تنتهي بالغياب كما تغيب حياة الجلّاد. إنها تستمر وتتدفق كالنهر الذي ينبع من عمق الأزل ويمضي غير مبالٍ باليباس. نهر تتلاطم أمواجه. كلما انكسرت فيه موجة أو انقطع من مرسة كفاحه خيط، رممته أمواج وأمراس جديدة من الصمود والجسارة. يترك الراوي وأقرانه في قلب الوجود أثراً عصياً على المحو: «دماً، وعطراً، ومضغة نعناع طاعمة». تتوج هذه الملحمة الفلسفية رؤيتها بانتصار الأمل والوطن. الرحيل ليس عدماً. إنه استغراق في الحضور الإنساني الأبدي. يغادر الراوي وهو يعلك «نعناعة الحنين الأبدي، للبلاد التي كلما دهستها الظلمةُ، أضاءت». إنها الرسالة الأعمق للكاتب – الشعوب والأرواح التي تختزن النور في أعماقها، لا يمكن للظلمة أن تطمسها. الموت حين يُواجه بالجسارة والنبل يتراجع ليبقى الإنسان، وتبقى القضية، ويستمر الضوء. عبدالله الهاشمي سعيد،،، سبتمبر 2026 elhashmi2004@yahoo.com The post أسامة الطيب – فيلسوف الموت والحياة appeared first on سودانايل.
Sudanileمنبر الرأي
Share
Comments
No comments yet. Be the first to share your thoughts.
Subscribe to our newsletter
Get a summary of the latest news and analysis delivered to your inbox.
