Politics
“جيش واحد، شعب واحد”: تفكيك لعبارة مراوغة
-الريح عبد القادر- “جيش واحد، شعب واحد”، عبارة تتردد كثيرًا في السودان، ويبدو أن معظم من يرددونها لا يفقهون معناها البعيد، وإن كانوا يضمرون تأييد الجيش ومعارضة الحكم المدني. فماذا تعني العبارة فعلًا؟ إذا كان المقصود أن يكون للسودان جيش وطني واحد بدل هذا العدد المهول من الجيوش والمليشيات و”الألوية” والحركات المسلحة، فالمعنى واضح ومشروع. […] The post “جيش واحد، شعب واحد”: تفكيك لعبارة مراوغة appeared first on سودانايل.
Loading…
Sudanile September 26, 2026Published 1 views
Source:Sudanile

-الريح عبد القادر- “جيش واحد، شعب واحد”، عبارة تتردد كثيرًا في السودان، ويبدو أن معظم من يرددونها لا يفقهون معناها البعيد، وإن كانوا يضمرون تأييد الجيش ومعارضة الحكم المدني. فماذا تعني العبارة فعلًا؟ إذا كان المقصود أن يكون للسودان جيش وطني واحد بدل هذا العدد المهول من الجيوش والمليشيات و”الألوية” والحركات المسلحة، فالمعنى واضح ومشروع. لكن الصياغة الأدق هي: دولة واحدة، جيش واحد. فلماذا نقول: “جيش واحد، شعب واحد”؟ الجيش لا يقابل الشعب. وهو جزء من مؤسسات الدولة، والجندي والضابط، قبل أن يكونا عسكريين، هما مواطنان من غمار الشعب. لذلك فالجيش لا يقف “كتفًا بكتف” مع الشعب في معادلة سياسية، بل يقف تحت الدولة والدستور والقانون، وفي خدمة الشعب. والأغرب أن الذين يهتفون بـ”جيش واحد” قد يؤيدون في الوقت نفسه تشكيلات مسلحة أخرى تقاتل إلى جانب القوات المسلحة، مع أنها ليست جزءًا من الجيش النظامي. فإذا كان المقصود فعلًا جيشًا واحدًا، فالسؤال البسيط هو: لماذا هذا التكاثر الخبيث لهذا العدد المُفزع من الجيوش السرطانية في بلد بات آخر ما يحتاجه هو الجنود والسلاح؟ ثم لماذا نربط الجيش بالشعب أصلًا؟ لا أحد يقول: “شرطة واحدة، شعب واحد”ولا:“قضاء واحد، شعب واحد”.ولا:“ضرائب واحدة، شعب واحد”. فلماذا الجيش تحديدًا؟ لأن العبارة، من الناحية الدلالية، قابلة لأن تنقلنا بهدوء من معنى محبة الجيش واحترامه إلى معنى آخر: الجيش والشعب كتلة سياسية واحدة. وهذه الكتلة على رأسها ضباط يحكمون ومواطنون يهتفون بعبارة مراوغة ومضللة: جيش واحد…الخ. عبارة ظاهرها الحب والانسجام وباطنها الدعاية والدعوة لتأييد الجيش. وهنا ينبغي أن نتوقف لنسأل: في ماذا يريد الجيش أن يؤيده الشعب؟ في حماية الحدود والدفاع عن البلاد وصون الدستور؟ أم في الاستيلاء على السلطة وحكم البلاد؟ الفرق بين الأمرين ليس تفصيلًا. فالجيش مؤسسة، أما الذين يتولون قيادته في لحظة معينة فهم أفراد، لا يجوز اختزال الجيش فيهم، بمثلما لا يجوز اختزال الشعب بأكمله في فئة واحدة من فئاته. وهنا نكتشف المراوغة: العبارة لا تقول صراحة “الشعب يؤيد حكم الجيش”، لكنها تخلق طرفين من العدم، ثم تخلق لغويًا علاقة حميمية مفتعلة بينهما، ثم تجعل الاعتراض على حكم الجيش اعتراضاً على الشعب. وهذا خلط جد خطير بين المؤسسة العسكرية ووظيفتها وبين السلطة السياسية وإرادة المواطنين. إذا كان المطلوب فعلًا جيشًا واحدًا، فليقولوا بوضوح: دولة واحدة، جيش وطني واحد، تحت سلطة مدنية دستورية. أما إذا كان المقصود أن الجيش والشعب جبهة سياسية واحدة، فليُقولوا ذلك صراحة، حتى نناقشه ثم نفنده في ثانية واحدة: الجيش، ككل، لا علاقة له بالشعب وإنما علاقته بالدولة، والدولة، ككل، بجيشها وشرطتها وقضائها وضرائبها، ملك للشعب. لا يحتاج الجيش النزيه إلى استعارة صوت الشعب كي يكون وطنيًا، ولا يحتاج الشعب إلى الجيش لكي يكون سعيداً، بل إلى دولة يحرسها الجيش. أما “جيش واحد، شعب واحد”، فتضليلٌ، ومراوغة، وتبييتٌ لنية سيئة، ظاهرها الوحدة والمحبة وباطنها طلب الحكم. وتبقى الحقيقة التي لا محيد عنها: الجيش جيش الدولة، والدولة دولة الشعب، والسيادة للشعب. elrayahabdelgadir@gmail.com The post “جيش واحد، شعب واحد”: تفكيك لعبارة مراوغة appeared first on سودانايل.
Sudanileمنبر الرأي
Share
Comments
Please log in to leave a comment.Log in
No comments yet. Be the first to share your thoughts.
Subscribe to our newsletter
Get a summary of the latest news and analysis delivered to your inbox.
